المنجي بوسنينة
349
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين
في تقصّي عثراتهم ونواقصهم من دون النظر إلى مواضع الإجادة والإبداع في نتاجهم الشعري . ومثلهم في أبي الطيّب المتنبّي خير شاهد على هذا السلوك . إلى جانب كتابي الأغاني والموشح ، هناك كتب أخرى أشادت بالشاعر وصفته وأسلوبه ، كمعجم الأدباء ، وطبقات ابن المعتز ، والشعر والشعراء ، وقد عرضت لبعض أحكامها في صفحات سابقة ، ومن كتب المعاصرين نذكر الدكتور عمر فرّوخ وكتابه « تاريخ الأدب العربي » الذي لخص الكثير من آراء القدامى ونظرياتهم فيه . وأضاف لفتة مفيدة تتعلّق بمقدار التشابه بين الشاعرين العباس وعمر بن أبي ربيعة ، وفيها « أنّ كلام العباس ككلام عمر ، مشاكل لكلام النساء ، موافق لطباعهن . ثمّ إنه في غزله غزير الفكر واسع الكلام . . . وكان العلماء بالشعر يقدّمونه على كثير من المحدّثين » . ونخلص إلى رأي لا يختلف كثيرا عما سبق من آراء وأحكام . وهو أنّ العباس بن الأحنف الذي عاش في عصر زاهر ومجتمع حضاري متعاظم الطاقات والقدرات الذاتية والاجتماعية ، قد أوتي من هذه الطاقات الخلاقة والقريحة المؤاتية والظروف الاجتماعية ما جعله واحدا من شعراء عصره وحامل لوائهم اختلط في شعره الموهبة الفطرية القائمة على السليقة من جهة ، وعلى الإرث الأدبي الممتدّ عمقا في نسبه العريق ، من جهة أخرى ، وعلى شموخ النفس وعفّتها المنصهرين في تجربة الحبّ المتعدّدة الأبعاد والوجوه ، ما جعل منه شاعرا غزلا آخر أبعد في التغلغل في شعاب النفس وأروقة الفؤاد ، من شاعر الغزل العربي الأكبر عمر بن أبي ربيعة الذي إن فاق العباس شهرة وسيرورة أشعار على الأفواه والألسن ، فلم يؤت جرس الإخلاص والتفاني في حبّ هو أقرب إلى ما يشبه البطولة والجهادية ، مشاكلا في ذلك ومضاهيا معظم شعراء الحب العذري ، حتّى لكأنّه واحد منهم أخطأه الزمن فجعله في عصر متأخّر ، وبيئة مغايرة لبيئة بني عذرة . . أضف إلى ذلك ، هذا الكم الكبير من أشعار الغزل الاعتباري أو الحكمي الذي يصدر عن الشاعر صدورا عفويا يتخلّل القصائد بين المقطع والمقطع ، فيعمق الأثر ، وتكبر الفائدة ، وتتّسع دائرة التأمّل والاعتبار ، في مثل قوله ، وقد مرّ مثله الكثير في الشواهد السابقة : - راجع أحبّتك الذين هجرتهم * إنّ المتيّم قلّما يتجنّب - تعب يطول مع الرجاء لذي الهوى * خير له من راحة في الياس - إذا أنت لم تعطفك إلّا شفاعة * فلا خير في ودّ يكون بشافع [ وفيات الأعيان ، 3 / 21 ] المصادر والمراجع * ديوان العباس بن الأحنف ، شرح وحواشي كرم البستاني ، دار صادر ، بيروت ، 1978 * ابن قتيبة ، الشعر والشعراء ، تح . وشرح أحمد محمد شاكر ، القاهرة ، 1974 * ابن المعتزّ ، طبقات الشعراء ، تح . عبد الستار أحمد فراج ، الطبعة الرابعة ، دار المعارف